عبد الملك الجويني
14
الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أول الاعتقاد
استحالة عدم القديم ، ومنها استحالة عدم قيام الأعراض بأنفسها واستحالة انتقالها ، ومنها الرد على القائلين بالكمون والظهور . والأولى أن نطرد دلالة في حدث الأعراض . ونورد هذه الأصول في معرض الأسئلة ، ونثبت المقاصد منها في معرض الأجوبة ، فنقول : الجوهر الساكن إذا تحرك فقد طرأت عليه الحركة ، ودل طروءها على حدوثها ، وانتفاء السكون بطروئها يقتضي بحدث السكون إذ لو ثبت قدمه لاستحال عدمه . فإن قيل : بم تنكرون على من يزعم أن الحركة كانت كامنة في الجوهر ، ثم ظهرت وانكمن لظهورها السكون ؟ قلنا : لو كان كذلك لاجتمع الضدان في المحل الواحد ، وكما نعلم استحالة كون الشيء متحركا ساكنا ، فكذلك نعلم استحالة اجتماع الحركة والسكون . ثم لو ظهرت الحركة والسكون مرّة واستكنّت أخرى ، لكان ذلك اعتوار حكمين عليه ، وذلك يتضمن ثبوت معنيين ، يقتضي أحدهما كون الحركة بادية ، ويقضي الآخر كونها مستكنة خافية ، فإن الدال على إثبات الأعراض تناوب الأحكام وتعاقبها على الجواهر . ثم يلزم لو قدرنا الظهور والكمون معنيين ، ظهورهما عند ظهور أثرهما ، ككمونهما عند كمون أثرهما ، ويتسلسل القول في ذلك . ثم الحركة توجب كون محلها متحركا لعينها ، فلو جاز ثبوتها من غير أن توجب حكمها للزم تجويز ذلك أبدا فيها ، وذلك يقلب جنسها ، ويحيل حقيقة نفسها . فصل فإن قيل : ما الدليل على استحالة عدم القديم ؟ قلنا : الدليل عليه أن عدمه في وقت مفروض يستحيل أن يكون واجبا ، حتى يمتنع تقدير استمرار الوجود الأزلي فيه ، وهذا معلوم بطلانه ببديهة العقل . فلو قدّر في وقت مفروض عدم جائز ، مع تجويز استمرار الوجود بدلا عنه من غير مقتض ، كان ذلك محالا ؛ إذ الجائز يفتقر إلى مقتض ، والعدم نفي محض يستحيل تعليقه بفاعل مخصص . ويستحيل أيضا حمل العدم على طريان ضد ، فإن الطارئ ليس هو بمضادة القديم أولى من القديم بمنع ما قدّر ضدّا له من الطروء . ولا يجوز استناد عدم القديم إلى انتفاء شرط من شرائط استمرار وجود القديم ، إذ لو قدّر لوجود القديم شرط لكان قديما مفتقرا عدمه لو قدّر إلى مقتض ، ثم يتسلسل القول . فإن قيل : أحد أركان الدليل على حدث الأعراض مبني على منع انتقالها ، فما الدليل على منع انتقالها ؟ إذ للقائل أن يقول : الحركة الطارئة على جوهر منتقلة إليه من جوهر آخر . فالجواب أن الحركة حقيقتها الانتقال ، فينبغي أن تقتضي ما وجدت انتقال جوهر بها ، ولو انتقلت من جوهر إلى آخر للزم طريان حالة عليها لا تكون فيها انتقالا ، وذلك قلب لجنسها ، وانقلاب الأجناس محال ؛ ولو